حبيب الله الهاشمي الخوئي

229

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

عن آذان المستمعين ( لقد رجعت فيهم أبصار العبر وسمعت عنهم آذان العقول ) هذا ناظر إلى طرف الأحياء ( وتكلَّموا من غير جهات النّطق ) هذا ناظر إلى طرف الأموات . ومحصّل المراد أنّ الأحياء وإن لم يمكن لهم إدراك حالات من القبور بطرق المشاعر الظاهرة واستطلاعها بالأبصار والاذان ، لكنّهم تمكَّنوا من معرفتها بأبصار البصائر والعبر والاطلاع عليها بطريق العقل ، وكذلك الموتى وإن لم يكن لهم ايصال أخبارهم إلى الأحياء وإظهار حالاتهم بالنّطق ولسان المقال ، لكنّهم أخبروهم وتكلَّموا بلسان الحال . ( فقالوا كلحت الوجوه النّواضر ) أي عبست الوجوه ذات الحسن والبياض والبهجة والنّضارة قال تعالى * ( هُمْ فِيها كالِحُونَ ) * أي عابسون ، وقيل : هو من الكلوح الَّذى قصرت شفته عن أسنانه كما تقلص رؤس الغنم إذا شيطت بالنار . ( وخوت الأجساد النّواعم ) وفي بعض النّسخ الأجسام النّواعم أي سقطت الأجساد المنعّمة بلذايذ الدّنيا في وهدة القبور أو خلت الأبدان النّاعمة اللَّينة من الأرواح فصارت جيفة منتنة أو المراد خلوّها من الدّم والرّطوبة وذهاب طراوتها . ( ولبسنا أهدام البلى ) قال الشّارح البحراني استعار لفظ الأهدام للتّغير والتّقشف والتّمزيق العارض لجسم الميّت لمشابهتها العظم البالي ، ويحتمل أن يريد بها الأكفان ، انتهى . أقول : يجوز أن يكون الكلام من قبيل التشبيه المرشح بأن يقدر تشبيه البلى المحيط بهم بالأهدام والأثواب الممزقة البالية المحيطة بالبدن ، فأضيف المشبّه به إلى المشبه ثمّ قرن بما يلايم المشبّه به ويناسبه وهو اللَّبس ترشيحا للتّشبيه ، وأن يكون من باب الاستعارة لا الاستعارة الأصليّة كما توهّمه الشارح لعدم انتظام معنى الكلام على ما ذكره إلَّا بتكلَّف ، بل من الاستعارة التّبعيّة بأن يستعار اللَّبس للشمول والإحاطة فيكون محصل المعنى أحاط بنا وشملنا البلى والتمزيق إحاطة اللَّباس بالبدن فافهم . ( وتكاءدنا ضيق المضجع ) أي شقّ علينا ضيق القبر ( وتوارثنا الوحشة ) أي وحشة القبور واستعار لفظ التوارث لكون الوحشة منها لابائهم وأسلافهم قبلهم